ابوالعبدالشامي
10-27-2008, 10:37 AM
الحرب التى بدأتها الولايات المتحدة عام 1991 بتدمير العراق، بتواطؤ ومعونة الكثير من الحلفاء، ها هى تقترب، بعد غزوه عام 2003، من نهايتها بنهب هؤلاء الحلفاء للمرة الثانية.
قد يبدو أن الضحايا الجدد هم كل الذين مولوا الحرب بشراء سندات ديون لا قيمة لها، إلا أن الضحايا، فى آخر، الأمر درجات. فبعضهم من يستطيع إعادة التوازن إلى نظامه المصرفى ليعيد تمويل تجارته الدولية، وليحصل على ضمانات باستعادة الأموال التى فقدها. ولكن بعضهم الآخر لن يجد نفسه إلا وهو يندب حظه العاثر الذى ساقه إلى إيلاء الثقة بأكبر مؤسسة للنهب فى العالم: الولايات المتحدة الأميركية.
قد تبدو الولايات المتحدة، بالنسبة لأكثرنا ميلا إلى اليسار، قوة استعمارية تعيش على "امتصاص دماء الشعوب"، إلا أنها اليوم، بالنسبة لأكثرنا ميلا الى اليمين، أسوأ من ذلك بكثير. فهى قد تنهب من "الشعوب" مَنْ تشاء فى عمليات تجارة تنطوى على استغلال وحشى مدعوم بالقوة، إلا أنها تنهب حلفاءها فى عمليات نصب أكثر وحشية.
فالشعوب التى تتعرض للاستغلال قد تقاوم، وقد تجد سبيلا للخروج من دائرة الهيمنة بالبحث عن بدائل أخرى، إلا أن حلفاء الغفلة هم وحدهم الذين يجدون أنفسهم يخسرون المال، ويخسرون معه كرامتهم الوطنية واستقرارهم السياسي، من دون أن يكونوا قادرين على فعل أى شيء. وعليهم أن يتحملوا تبعات "الصداقة" و"التحالف" من دون أن يجرؤوا على الصراخ.
وبعض الصراخ بدأ يصدر بأنين مكتوم، لا يخفى عن نفسه الحرج.
فى غضون أسبوع واحد، اكتشفت الدول الخليجية العربية، أنها لا تستطيع تعزيز وضع مصارفها بضخ المزيد من الأموال. واضطرت، على كثرة الأموال التى تملكها إلى الاعتراف بأنها ستواجه شحا فى السيولة.
كيف؟ وأين ذهبت كل تلك المئات من المليارات المكدسة فى خزائن العم سام؟
بسيطة. قالوا لهم: بح. تعالوا بكرة.
"يا إخوان نحن حلفاء، ونحن نواجه أزمة، ونريد حفظ الاستقرار"، ربما كان هذا ما قاله الحلفاء لحلفائهم. ولكن الجواب جاء مخيبا للآمال: ليس لديكم عندنا مال. ليس الآن على الأقل. تعالوا بكرة.
بعد أزمة الركود التى لحقت بالاقتصاد الأميركى فى مطلع القرن الجاري، لم تجد الولايات المتحدة سبيلا لاستعادة القدرة على النمو، إلا بارتكاب أكبر عملية سطو فى التاريخ. فاندفعت، بكل ما توفر لديها من قوة عسكرية وماكينة أكاذيب لتدمر العراق، وتسحق شعبه وتقيم نظاما جديدا يأتمر بأوامرها، ويتيح لها نهب ثرواته، حتى انه نزع العدادات عن حقول ضخ النفط لكى لا يعلم أحدٌ حجم ما يُنهب. ولكى تضمن صمت العملاء، فقد أعطتهم حصة من عائدات "الفساد" وسمحت لهم بتحويل الأموال إلى الخارج، لكى تنعم بالباقي.
ولكن السحر انقلب على الساحر. فالمقاومة العراقية أظهرت أن استمرار الاحتلال مستحيل، وأن عملاء الغزاة قد ينهبون مليارا أو عشرة مليارات، إلا أن منهوباتهم لن تستمر إلى الأبد. وأن الدمار سيلحق بكل مشروع للنهب يتم إرساؤه تحت يافطة "إعادة البناء".
وهكذا، لا كسبت الولايات المتحدة حربا ولا كسبت "إعادة بناء". وكل ما بقى لها هناك هو الخسائر والديون والأعباء التى لا نهاية لها.
وحيث أن سحر الغزو كان بتدبير وتواطؤ حفنة من الحلفاء، ليس أقلهم حلفاء النفط، فقد كان من الطبيعى أن ينقلب سحر الولايات المتحدة، وشرها عليهم أيضا.
فالأموال التى مولوا بها ذلك الغزو، تحت بنود شتى من "الاستثمارات" الوهمية والديون، كان من الطبيعى أن تعود هى الأخرى لتكون ضحية لعملية سطو أكبر بكثير من عملية السطو الأولى التى أعقبت حرب عام 1991. فهذه الأخيرة شملت مصارف العالم بأسره، كما شملت كل الأموال التى يكدسها الحلفاء فى جيوب الشيطان الذى وثقوا به، وائتمنوه على مالهم.. الحلال والحرام.
ولا شيء فى هذا جديد. فهو أول الفضيحة، والكل يعرفه.
ولكن ما سيأتى أسوأ.
لم يكن العاهل السعودى الملك عبد الله بن عبد العزيز ليجد نفسه مضطرا إلى الاعتراف مساء السبت بأن الأزمة المالية العالمية الراهنة هى "حرب خفية" ضد "النعمة" التى تنعم بها دول الخليج، إلا لأنه يعرف أن الأموال الخليجية فى المصارف الغربية تتعرض لأعمال استيلاء ونهب غير مسبوقة.
طبعا، سيقال لشيوخ الغفلة إن "أموالكم فى الحفظ والصون"، إلا أنهم يعرفون أنهم لم يعودوا قادرين على سحب قرش واحد منها.
ولعلهم يتعرضون اليوم لتهديدات تمس أمنهم الشخصي، وأمن أنظمتهم برمتها، إذا حاولوا التمرد أو الشكوى أو المطالبة علنا بالمال.
وها هم يعرفون، أصحاب الغفلة، أن السبيل الوحيد المتاح أمامهم هو الصمت.
مئات، وربما آلاف المليارات من أموال النفط ستُعد أموالا ضائعة.
فإذا شاءوا استعادة جزء منها فإنهم سيجدون أنفسهم مضطرين إلى إنفاق مئات غيرها على المحاكم والملاحقات، قبل أن يكتشفوا أنهم خسروا المال مرتين. مرة بوضعه فى مصارف الشيطان، ومرة بالسعى لإنقاذه من براثن الشيطان.
ولكن حتى هذا لن يكون آخر الفضيحة. فالذين جندوا أنفسهم لخدمة أكاذيب الشيطان وتمويل حروبه، لن يكونوا قادرين على حماية أنفسهم من التعرض للدغ من الجحر نفسه مرتين. فأموالهم الجديدة، يجب أن تذهب هى الأخرى إلى حيث ذهبت أموالهم القديمة.
لن يتاح لأحد أن يحتفظ بالمال فى مصارفه الخاصة. لأن اقتصاد "ما بعد الأزمة" لن يستطيع أن يتحرك بمجرد شطب الديون السابقة. وستظل هناك حاجة لتمويل عجلة النظام المصرفى بأموال جديدة.
لا شك أن الكثير من شيوخ النفط يودّون اليوم لو أنهم كانوا قادرين على الاحتفاظ بأموالهم تحت الوسادة، إلا أنهم لن يقدروا حتى على إخفاء القليل. فما يحصلون عليه من عائدات لا بد وأن يمر بالمصارف الدولية التى نهبت أموالهم. فهذه العائدات، من وجهة نظر النظام المصرفى العالمي، لا بد وأن تكون جزءا من دورة الحياة الجديدة التى تفتح السبل للخروج من الأزمة.
أما ماذا سيحصل بهذه الأموال فى خضم هذا المخاض، فلا أحد يستطيع أن يوفر أى ضمانات.
لم يمض وقت طويل على الدعوة التى أطلقها وزير الخارجية الأميركى السابق هنرى كيسنجر والتى طالب فيها "باسترداد" أموال الثروة النفطية إلى حيث يجب أن تكون.
كيسنجر كان واضحا للغاية عندما اعتبر أن أموال النفط هى "أكبر عملية نقل للثروة من الأمم القوية إلى الأمم الأضعف". وهو ما كان يعنى أن الأوان قد آن لكى يتم قلب الآية، لتعود تلك الأموال من "الأمم الأضعف" إلى "الأمم الأقوى".
ويبدو أن الملك عبد الله بن عبد العزيز لم يكن ليجد نفسه مضطرا للتنديد بـ"الحرب الخفية"، إلا لأنه اكتشف أن تلك الأموال قد "عادت" إلى حيث كان يجب أن تكون من وجهة نظر كيسنجر.
والحال، فإن العاهل السعودى لم يحذر وزراء المالية وحكام المصارف المركزية من "ضياع النعمة"، إلا لأنه يعرف أنها ضاعت.
ولكن لا شماتة. فقد مول الخليجيون غزو وتدمير العراق مرتين. وها هم يحصدون عاصفةً، للمرة الثانية بعد حرب "تحرير الكويت"، ثمن الريح التى زرعوها عام 1991.
ويقال: لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين.
صحيح.
إذا كان المرء مؤمنا.
قد يبدو أن الضحايا الجدد هم كل الذين مولوا الحرب بشراء سندات ديون لا قيمة لها، إلا أن الضحايا، فى آخر، الأمر درجات. فبعضهم من يستطيع إعادة التوازن إلى نظامه المصرفى ليعيد تمويل تجارته الدولية، وليحصل على ضمانات باستعادة الأموال التى فقدها. ولكن بعضهم الآخر لن يجد نفسه إلا وهو يندب حظه العاثر الذى ساقه إلى إيلاء الثقة بأكبر مؤسسة للنهب فى العالم: الولايات المتحدة الأميركية.
قد تبدو الولايات المتحدة، بالنسبة لأكثرنا ميلا إلى اليسار، قوة استعمارية تعيش على "امتصاص دماء الشعوب"، إلا أنها اليوم، بالنسبة لأكثرنا ميلا الى اليمين، أسوأ من ذلك بكثير. فهى قد تنهب من "الشعوب" مَنْ تشاء فى عمليات تجارة تنطوى على استغلال وحشى مدعوم بالقوة، إلا أنها تنهب حلفاءها فى عمليات نصب أكثر وحشية.
فالشعوب التى تتعرض للاستغلال قد تقاوم، وقد تجد سبيلا للخروج من دائرة الهيمنة بالبحث عن بدائل أخرى، إلا أن حلفاء الغفلة هم وحدهم الذين يجدون أنفسهم يخسرون المال، ويخسرون معه كرامتهم الوطنية واستقرارهم السياسي، من دون أن يكونوا قادرين على فعل أى شيء. وعليهم أن يتحملوا تبعات "الصداقة" و"التحالف" من دون أن يجرؤوا على الصراخ.
وبعض الصراخ بدأ يصدر بأنين مكتوم، لا يخفى عن نفسه الحرج.
فى غضون أسبوع واحد، اكتشفت الدول الخليجية العربية، أنها لا تستطيع تعزيز وضع مصارفها بضخ المزيد من الأموال. واضطرت، على كثرة الأموال التى تملكها إلى الاعتراف بأنها ستواجه شحا فى السيولة.
كيف؟ وأين ذهبت كل تلك المئات من المليارات المكدسة فى خزائن العم سام؟
بسيطة. قالوا لهم: بح. تعالوا بكرة.
"يا إخوان نحن حلفاء، ونحن نواجه أزمة، ونريد حفظ الاستقرار"، ربما كان هذا ما قاله الحلفاء لحلفائهم. ولكن الجواب جاء مخيبا للآمال: ليس لديكم عندنا مال. ليس الآن على الأقل. تعالوا بكرة.
بعد أزمة الركود التى لحقت بالاقتصاد الأميركى فى مطلع القرن الجاري، لم تجد الولايات المتحدة سبيلا لاستعادة القدرة على النمو، إلا بارتكاب أكبر عملية سطو فى التاريخ. فاندفعت، بكل ما توفر لديها من قوة عسكرية وماكينة أكاذيب لتدمر العراق، وتسحق شعبه وتقيم نظاما جديدا يأتمر بأوامرها، ويتيح لها نهب ثرواته، حتى انه نزع العدادات عن حقول ضخ النفط لكى لا يعلم أحدٌ حجم ما يُنهب. ولكى تضمن صمت العملاء، فقد أعطتهم حصة من عائدات "الفساد" وسمحت لهم بتحويل الأموال إلى الخارج، لكى تنعم بالباقي.
ولكن السحر انقلب على الساحر. فالمقاومة العراقية أظهرت أن استمرار الاحتلال مستحيل، وأن عملاء الغزاة قد ينهبون مليارا أو عشرة مليارات، إلا أن منهوباتهم لن تستمر إلى الأبد. وأن الدمار سيلحق بكل مشروع للنهب يتم إرساؤه تحت يافطة "إعادة البناء".
وهكذا، لا كسبت الولايات المتحدة حربا ولا كسبت "إعادة بناء". وكل ما بقى لها هناك هو الخسائر والديون والأعباء التى لا نهاية لها.
وحيث أن سحر الغزو كان بتدبير وتواطؤ حفنة من الحلفاء، ليس أقلهم حلفاء النفط، فقد كان من الطبيعى أن ينقلب سحر الولايات المتحدة، وشرها عليهم أيضا.
فالأموال التى مولوا بها ذلك الغزو، تحت بنود شتى من "الاستثمارات" الوهمية والديون، كان من الطبيعى أن تعود هى الأخرى لتكون ضحية لعملية سطو أكبر بكثير من عملية السطو الأولى التى أعقبت حرب عام 1991. فهذه الأخيرة شملت مصارف العالم بأسره، كما شملت كل الأموال التى يكدسها الحلفاء فى جيوب الشيطان الذى وثقوا به، وائتمنوه على مالهم.. الحلال والحرام.
ولا شيء فى هذا جديد. فهو أول الفضيحة، والكل يعرفه.
ولكن ما سيأتى أسوأ.
لم يكن العاهل السعودى الملك عبد الله بن عبد العزيز ليجد نفسه مضطرا إلى الاعتراف مساء السبت بأن الأزمة المالية العالمية الراهنة هى "حرب خفية" ضد "النعمة" التى تنعم بها دول الخليج، إلا لأنه يعرف أن الأموال الخليجية فى المصارف الغربية تتعرض لأعمال استيلاء ونهب غير مسبوقة.
طبعا، سيقال لشيوخ الغفلة إن "أموالكم فى الحفظ والصون"، إلا أنهم يعرفون أنهم لم يعودوا قادرين على سحب قرش واحد منها.
ولعلهم يتعرضون اليوم لتهديدات تمس أمنهم الشخصي، وأمن أنظمتهم برمتها، إذا حاولوا التمرد أو الشكوى أو المطالبة علنا بالمال.
وها هم يعرفون، أصحاب الغفلة، أن السبيل الوحيد المتاح أمامهم هو الصمت.
مئات، وربما آلاف المليارات من أموال النفط ستُعد أموالا ضائعة.
فإذا شاءوا استعادة جزء منها فإنهم سيجدون أنفسهم مضطرين إلى إنفاق مئات غيرها على المحاكم والملاحقات، قبل أن يكتشفوا أنهم خسروا المال مرتين. مرة بوضعه فى مصارف الشيطان، ومرة بالسعى لإنقاذه من براثن الشيطان.
ولكن حتى هذا لن يكون آخر الفضيحة. فالذين جندوا أنفسهم لخدمة أكاذيب الشيطان وتمويل حروبه، لن يكونوا قادرين على حماية أنفسهم من التعرض للدغ من الجحر نفسه مرتين. فأموالهم الجديدة، يجب أن تذهب هى الأخرى إلى حيث ذهبت أموالهم القديمة.
لن يتاح لأحد أن يحتفظ بالمال فى مصارفه الخاصة. لأن اقتصاد "ما بعد الأزمة" لن يستطيع أن يتحرك بمجرد شطب الديون السابقة. وستظل هناك حاجة لتمويل عجلة النظام المصرفى بأموال جديدة.
لا شك أن الكثير من شيوخ النفط يودّون اليوم لو أنهم كانوا قادرين على الاحتفاظ بأموالهم تحت الوسادة، إلا أنهم لن يقدروا حتى على إخفاء القليل. فما يحصلون عليه من عائدات لا بد وأن يمر بالمصارف الدولية التى نهبت أموالهم. فهذه العائدات، من وجهة نظر النظام المصرفى العالمي، لا بد وأن تكون جزءا من دورة الحياة الجديدة التى تفتح السبل للخروج من الأزمة.
أما ماذا سيحصل بهذه الأموال فى خضم هذا المخاض، فلا أحد يستطيع أن يوفر أى ضمانات.
لم يمض وقت طويل على الدعوة التى أطلقها وزير الخارجية الأميركى السابق هنرى كيسنجر والتى طالب فيها "باسترداد" أموال الثروة النفطية إلى حيث يجب أن تكون.
كيسنجر كان واضحا للغاية عندما اعتبر أن أموال النفط هى "أكبر عملية نقل للثروة من الأمم القوية إلى الأمم الأضعف". وهو ما كان يعنى أن الأوان قد آن لكى يتم قلب الآية، لتعود تلك الأموال من "الأمم الأضعف" إلى "الأمم الأقوى".
ويبدو أن الملك عبد الله بن عبد العزيز لم يكن ليجد نفسه مضطرا للتنديد بـ"الحرب الخفية"، إلا لأنه اكتشف أن تلك الأموال قد "عادت" إلى حيث كان يجب أن تكون من وجهة نظر كيسنجر.
والحال، فإن العاهل السعودى لم يحذر وزراء المالية وحكام المصارف المركزية من "ضياع النعمة"، إلا لأنه يعرف أنها ضاعت.
ولكن لا شماتة. فقد مول الخليجيون غزو وتدمير العراق مرتين. وها هم يحصدون عاصفةً، للمرة الثانية بعد حرب "تحرير الكويت"، ثمن الريح التى زرعوها عام 1991.
ويقال: لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين.
صحيح.
إذا كان المرء مؤمنا.