المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توثيق أكثر من 68 طاحونة مائية في محافظة "طرطوس"@@@@@2


الكابتن عرنوس
07-19-2010, 02:25 PM
توثيق أكثر من 68 طاحونة مائية في محافظة "طرطوس"




بعض تقنيات القرون الماضية عملت بالحجر والماء، لكنها كانت موضع اهتمام "دائرة آثار طرطوس" على مدى يقارب عاماً كاملاً في مشروع مسح وتوثيق وتسجيل للطواحين المائية القديمة والمواقع الأثرية المرتبطة بها على ثلاثة أنهار في منطقة "صافيتا": "الغمقة، "الأبرش" و"العروس".
تعرفنا على مجريات المسح الذي بدأت بإجرائه "دائرة آثار طرطوس" قبل حوالي عام، لينتهي بتوثيق طبوغرافي وفوتوغرافي للطواحين المائية، واستعادة بعضها لمظهر بنائها.
رئيس "دائرة آثار طرطوس" المهندس "مروان حسن" يشرح عن الأهمية الأثرية للطواحين المائية قائلاً: «في محافظة "طرطوس" بشكل خاص توجد الكثير من الطواحين المائية التي لا يزال بعضها إلى الآن ماثلاً للعيان وكاملة البناء والمعلم، وبعضها تحول إلى مقاصف والآخر تهدم واندثر ونبتت عليها الشجيرات التي تمنع حتى الوصول إليها.
انطلاقاً من مهامنا وواجباتنا بالحفاظ على هذا الإرث والمعلم التاريخي والأثري قررنا العمل بالتنسيق مع "المديرية العامة للآثار والمتاحف" على توثيق كافة طواحين المحافظة ومعاينتها وتحديد حدودها ودراسة إمكانيات إعادة تأهيلها وترويجها سياحياً».
ويضيف: «بناء عليه تم تشكيل فريق عمل مكون من رئيس "دائرة آثار طرطوس" المهندس "مروان حسن"، الدكتورة "رانيا عبد الرحمن"، المؤرخ "بسام القحط"، الآثارية "سهير محمد" والآثاري "أحمد يونس"، مهمته توثيق وتسجيل الطواحين المائية القديمة والمواقع المرتبطة بها على أنهار "الغمقة، "الأبرش" و"العروس" في محافظة "طرطوس"».
توجهنا بعد ذلك إلى الدكتورة "رانيا عبد الرحمن" بالسؤال عن كيفية تنسيق هذا المسح الهام والأول من نوعه على مستوى المحافظة، فأجابت: «قام الفريق الميداني أولاً بمسح وجرد الطواحين المائية الباقية على الأنهار الثلاثة؛ "نهر الغمقة"، "الأبرش" و"العروس"، وكذلك بدأ الفريق بمسح المواقع الأثرية المرتبطة بطواحين هذه الأنهار، وتم تحديد أكثر من 68 طاحونة مائية ورفع بعضها معمارياً وتوثيقها طبوغرافياً وفوتوغرافياً.


هذه الأنهار الثلاثة تجري جميعها ضمن منطقة "صافيتا" الإدارية، فاثنان منها (الأبرش والغمقة) ينبعان من ينابيع ضمن منطقة "صافيتا" ويصبان في البحر الأبيض المتوسط جنوبي محافظة "طرطوس"».
آثار متنوعة تنتشر على كامل الرقعة التي تمتد فيها تلك الأنهار، حيث تشكل الطواحين بعض أهم مدخراتها كما توضح: «على هذه الأنهار الثلاثة التي طالما تميزت بغزارتها الكبيرة في الماضي، قامت منذ العصر الحجري (الباليوليتيك) وحتى نهايات الفترة العثمانية في "سورية" العديد من الحضارات المتعاقبة التي تجلت في مدن تلال سهل "عكار" والسهول الملحقة به ضمن المنطقة، وكذلك في العديد من أنظمة الري المتطورة نسبياً التي قامت على تلك الأنهار وملحقاتها والتي من أهمها الاستخدام التقني لقوة مياه النهر في إدارة الطواحين من أجل صنع الدقيق الذي هو أساس صناعة الخبز غذاء سكان المنطقة الأساسي منذ قديم الزمان».
وبالنسبة لطواحين الروافد العليا لنهر "الغمقة" (المجرى الأعلى) فهي: «"طاحون الشيخ كامل عيسي"- الجد، "فوار كفر جوايا"، طواحين "عين الكبيرة"ـ "وادي عين الكبيرة" وهي التالية: "طاحون عبود"، "طاحون "عين الكبيرة القديمة".
أما طواحين "نبع الغمقة" الرئيسي وجواره (المجرى الأوسط) فهي: "طاحون شهاب الموعي" على "نبع الغمقة" مباشرة، "طاحون الشيخ" غرب نبع الغمقة بمسافة 1 كم تحت قرية "رأس مندو"، و"طاحون الرجام" وهي طاحون نارية تقليدية محدثة، أما "نبع عين الرجام" ففيه بقايا أثرية بسيطة».


أحد الطواحين الآثرية من الداخل

بما أنّ الطواحين أماكن أثرية وسياحية أيضاً، فإنّ اختيار أماكن منعزلة للبناء والقمامة أمر لا يحتمل التأجيل، وهو ما يستدعي تدخل الجهات المعنية، كما أشارت د. "رانيا" في حديثها: «إن مطعم نبع "الغمقة" الحديث البناء قد أقيم مباشرة فوق البناء الجنوبي من "طاحون شهاب"، مستغلاً بذلك سطح هذه الطاحون، لذلك يجب الانتباه إلى أن توسيع المطعم الآن أو مستقبلاً قد يؤدي إلى اندثار هذه الطاحونة التراثية الجميلة.
كما زال القسم الأكبر من القناة الصيفية القديمة للمبنى الجنوبي من "طاحون شهاب"، لذلك على الجهات المعنية وأصحاب المطعم والطاحون العمل على الحفاظ عليها.
وبما يخص "طاحونة الشيخ" وعلى بعد أقل من ثلاثة أمتار من القناة الأثرية للطاحون فيوجد نواة مكب للنفايات، وهذه الملاحظة تنسحب على كامل المسافة ما بين "نبع الغمقة" و"طاحون الشيخ" الأثرية حيث تنتشر مكبات النفايات، لذلك من الضروري إيقاف مكبات النفايات المذكورة في منطقة النبع وتوابعها».

http://syrian-sport.net/vb/imgcache/2/24353alsh3er.jpg (http://syrian-sport.net/vb/imgcache/2/24353alsh3er.jpg)
أحد الطواحين الأثرية من الخارج


أينما وجدت الأنهار والينابيع كانت هناك طواحين على ضفافها، وكمثال تشرح د. "رانيا عبد الرحمن" عن "طاحون القرق" قائلة: «في القسم الجنوبي من محافظة "طرطوس" في منطقة "صافيتا" الطواحين الموجودة هي طواحين نهر "المتراس" ونهر "العروس" وروافده، ومنها "طاحون القرق" الأثرية على رافد "نهر المتراس"، وهي موجودة على بعد 200 متراً جنوبي قرية "مجيدل" التابعة إلى ناحية "البارقية"، وتغذي المياه الطاحون من مصدرين هما رافد "نهر المتراس" (وادي الفوار)، و"عين العسل" وهي عين أثرية قريبة لقرية "مجيدل"، غزارتها كبيرة ومياهها تصب في وادي الفوار، وقد حول قسم من مياهها بواسطة قناة حجرية وذلك لكي تغذي الطاحون في فصل الصيف حين تجف مياه "وادي الفوار" أو تخف بحيث تصبح عاجزة عن إدارة رحى "طاحون القرق"».
وغيرها من الطواحين الكثيرة المنتشرة على نهر "الأبرش" ومنها: طاحون الشيخ حسن الكفرون، عين عصفور، المخاضة، الصهيوني، عين اللبنة، طاحونة بولوس، عسكريت، الجلف، طاحونة نبع الياس، درويش، الدير، المهيري، يوحنا، العزيز، القبو، الجديدة في بداد، السيسنية، برهان، ريشة، عين مريزة، التويني، الجديده تل صفرون، الصف، الهويسية، الحوزي، المهيري.
بعد مشروع المسح والتوثيق والتسجيل لهذه الطواحين المائية القديمة والمواقع الأثرية المرتبطة بها مرحلة قادمة لا بديل عنها، ستقوم خلالها "دائرة آثار طرطوس" باستكمال أعمال توثيق جميع هذه الطواحين وتحديد حدودها وإعطائها وجائب حماية حسب الأصول.

حجر الرحى البازلتي.. أثمن قطع الطاحون

مع ظهور المحرك البخاري في القرن التاسع عشر بدأ انحدار عصر الطواحين الهوائية والمائية التي تعد الأقدم، ثم جاء المحرك الكهربائي ليعلن بداية عصر جديد من الطاقة يمكن الاستغناء فيه عن حجر "البازلت" المستخدم في صنع رحى تلك الطواحين التي عملت بالطاقة الكهرمائية.
نقل المياه وطحن الحبوب كانت من أهم المهام الموكلة إلى تلك الطواحين، وبالنسبة للمزيد عن تفاصيل عملها تشرح د. "رانيا عبد الرحمن" من "دائرة آثار طرطوس".
نالت تلك الطواحين اهتماماً وشهرة على مرّ القرون ليس لأنها صديقة للبيئة، بل بسبب فوائدها والحاجة إليها: «اعتمدت الطاحونة المائية في "أوروبا" منذ العصور القديمة، وتطورت بالتوازي مع اختفاء الرق في القرن التاسع، تستخدم الطاقة الكهرمائية أو الديناميكية حيث تحولها إلى قوة دافعة بفعل المياه المسحوبة إليها بفتحات تطل على النهر أو النبع مباشرة أو ربما من خزانات مخصصة لحفظ المياه، ويمكن لرحى الطاحونة طحن 150 كجم من القمح في الساعة وهذا ما كان يعادل عمل 40 عبيداً.
تستخدم الطواحين المائية طاقة الماء لطحن الحبوب وهي عبارة عن نماذج مزودة بدولاب عامودي، وكانت منتشرة في العالم القديم منذ فترة القرن الأول قبل الميلاد، وأيضا في "سورية" مثل "حماة" و"أنطاكية" على نهر "العاصي" وفي "شبه الجزيرة الأيبيرية"،لكنها كانت تستخدم فقط لنقل المياه وليس بهدف إنتاج طاقة لتشغيل الآلات».
توفر قطعها الأولية، انخفاض تكاليفها ووقودها المجاني؛ عوامل ساعدت على انتشارها وتطويرها فيما بعد: «إن بساطة الفكرة العامة للطاحونة جعلت تنفيذها غير مكلف وسهل الصيانة، وفي هذا النوع من الطواحين كان حجر الرحى من البازلت الصامد هو أغلى قطعة في الطاحونة، كما يكفي تيار ماء سريع لتشغيلها، مما يفسر انتشارها على ضفاف الأنهار.
ومن أجل تأمين الماء بشكل مستمر، بنيت قنوات لتوجيه الماء من أعلى المجرى ليصب في برج الطاحونة، ونجد أحياناً قنطرة مبنية على أقواس من الحجر وتستخدم لنقل الماء بين ضفتي النهر، تعرف هذه التقنية منذ العهد الروماني، فنجد مثلاً في "فونت فياي في البروفنس" بجنوب "فرنسا" قنطرة تحرك أربع طواحين مائية بواسطة شلال واحد».
حتى الآن للطواحين جذور شبه مؤكده، لكن تاريخ اختراعها قد يظل لغزاً، كما تبين د. "رانيا" في حديثها: «يصعب تحديد تاريخ تلك الإنشاءات بسبب إعادة بنائها في القرن التاسع عشر، إلا أننا نعرف أن مثل هذه الطواحين كانت موجودة في القرن السادس عشر لأنها كانت تخضع لنظام ضريبي، وفي الغالب تم إنشاؤها في عصر المماليك، وفي "قرطبة" كان يستخدم نفس النظام على "الوادي الكبير" في عهد الخلافة الأموية.
هذه التقنية المتوارثة بلا شك عن الرومان والتي تم تطويرها على يد العرب، تركت آثاراً في المصطلح الإسباني من أصل عربي وخصوصاً في مجال تقنيات الري، حيث نجد في اللغة الإسبانية الطاحونة والأسنة والساقية».