الدمشقي
03-13-2009, 05:35 PM
أمي الحبيبة... والدي العزيز...
في سني عمري المبكرة، كنت أجلس حيث لا يراني أحد، وأمسك بصورة لكما، وأضمها إلى صدري بشدة، وأدعو الله والدمع يحترق في عيناي، أدعوه بأن يُميتني في يوم يسبق يومكما، أدعوه بأن يتوفاني قبلكما!
كنت أجلس طويلا، وأنا أردد:
"يا ربي، يا ربي، يا ربي، لا أستطيع فراقهما، يا ربي ليس لي حيلة في الحياة دونهما، يا ربي ستعمى عيناي من البكاء على رحيلهما، فلا تفعل بي ذلك وأنا عبدك الصغير الضعيف!".
وها قد جرت الأيام جريا، ومرت السنين الطوال بسرعة، ولا زلت أحتفظ بتلك الصورة، لا تفارقني أبدا، ولا زلت أدعو ذات الدعاء، أسجد وأتمنى من الله أن يلبي لي ذات المطلب والأمنية، ولكن هذه المرة، لسبب آخر، نعم أريد أن أسبقكما، ولكن هذه المرة لأنني لم أعد أقوَ على ما بقلبي من شوق للقيا الإله سبحانه، ولقيا الحبيب صلى الله عليه وسلم، هذه المرة، لأنني أتعجل الجلوس والصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لأروي لهم حكايتي وقصتي، وأخبرهم بأني ما كنت لأجلس معهم في جنان مخلدة، لو أن الله لم يمنّ علي بوالدين مثلكما.
لا تحزنا ولا تبتئسا لفراقي...
وهلمّ يا حبيباي للصالح من الأعمال، واستعدا ليوم الرحيل، فأنا متأكد بأنني بعد أن أُخبر الصحابة والصالحين عنكما، سيرغبون بلقائكما، وستلقوهم كما لقيتهم بإذنه سبحانه.
سامحاني لأنني سبقتكما، فلم أشأ أن أُزفّ وأحدكما غائب، فأردتكما أن تحضرا كليكما، وما كنت لأفعلها لولا أن القلب احترق، وما خلق الله جل جلاله داء إلا وجعل له دواء، فكان استشهادي هو الدواء، ولتعلما أن أكثر ما شغل فكري في أيامي الأخيرة، هو متى سأمضي معكما المزيد من الأيام.
لا تفكرا كما كنت أفكر صغيرا، بأنه لا طاقة لكما بالعيش بعدي، تستطيعان، وستمضيان في الحياة نحو الأمام، نحو كل درب وطريق يؤدي بكما إلى الجنان، حيث نلتقي من جديد،
وكيف لا تستطيعان وقد سبقني من العظماء ممن بنوا أمما وربوا أجيالا وها هي الحياة استمرت ومضت.
ما فعلت شيئا غير أني كتبت سطرا جديدا في دفتر الأمجاد، وبصمتُ بأشلائي على جدران الحرية بصمة لن يمحيها التاريخ، وصرختُ بدوي قنبلتي:
" لا للذل لا للهوان، لا للضعف ولا للظلم،
فلتحيا يا شعب أبيا قويا،
ولتبشرا يا أم الشهيد وأم الأسير، ها قد أتاكما من يعيد إليكما ابنيكما من جديد،
وابشر يا أقصانا الحبيب، لم أكن الأول ولست الأخير، فكلنا ماضون، وكلنا مشتاق".
والداي الغاليان، حين سطرتُ كلماتي هذه، كنت أجلس بجواركما، والآن ها أنا جالس بجوار الصالحين والصديقين، فما أطيب جيراني في الدنيا، وما أعظم جيراني في الآخرة!
سيغبطني كل الأوفياء الصادقين على ما كنت فيه، وعلى ما أنا عليه الآن.
كتبتُ هذه الكلمات وأنا أبكي شوقا للقائكما، وها أنا أبكي فرحا للقاء الأحبة ممن سبقوني.
فلتعلي الزغاريد يا أمي لابنك الشهيد،
وليعلو التكبير والتهليل بصوتك الرنان يا أبت،
فاليوم عرس ابنكما، واليوم يُزف للحور العين، وما كنت سأحظى بعرس أروع لو بقيت!
وإلى لقاء إن شاء الله...
ابنكم المشتاق
في سني عمري المبكرة، كنت أجلس حيث لا يراني أحد، وأمسك بصورة لكما، وأضمها إلى صدري بشدة، وأدعو الله والدمع يحترق في عيناي، أدعوه بأن يُميتني في يوم يسبق يومكما، أدعوه بأن يتوفاني قبلكما!
كنت أجلس طويلا، وأنا أردد:
"يا ربي، يا ربي، يا ربي، لا أستطيع فراقهما، يا ربي ليس لي حيلة في الحياة دونهما، يا ربي ستعمى عيناي من البكاء على رحيلهما، فلا تفعل بي ذلك وأنا عبدك الصغير الضعيف!".
وها قد جرت الأيام جريا، ومرت السنين الطوال بسرعة، ولا زلت أحتفظ بتلك الصورة، لا تفارقني أبدا، ولا زلت أدعو ذات الدعاء، أسجد وأتمنى من الله أن يلبي لي ذات المطلب والأمنية، ولكن هذه المرة، لسبب آخر، نعم أريد أن أسبقكما، ولكن هذه المرة لأنني لم أعد أقوَ على ما بقلبي من شوق للقيا الإله سبحانه، ولقيا الحبيب صلى الله عليه وسلم، هذه المرة، لأنني أتعجل الجلوس والصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لأروي لهم حكايتي وقصتي، وأخبرهم بأني ما كنت لأجلس معهم في جنان مخلدة، لو أن الله لم يمنّ علي بوالدين مثلكما.
لا تحزنا ولا تبتئسا لفراقي...
وهلمّ يا حبيباي للصالح من الأعمال، واستعدا ليوم الرحيل، فأنا متأكد بأنني بعد أن أُخبر الصحابة والصالحين عنكما، سيرغبون بلقائكما، وستلقوهم كما لقيتهم بإذنه سبحانه.
سامحاني لأنني سبقتكما، فلم أشأ أن أُزفّ وأحدكما غائب، فأردتكما أن تحضرا كليكما، وما كنت لأفعلها لولا أن القلب احترق، وما خلق الله جل جلاله داء إلا وجعل له دواء، فكان استشهادي هو الدواء، ولتعلما أن أكثر ما شغل فكري في أيامي الأخيرة، هو متى سأمضي معكما المزيد من الأيام.
لا تفكرا كما كنت أفكر صغيرا، بأنه لا طاقة لكما بالعيش بعدي، تستطيعان، وستمضيان في الحياة نحو الأمام، نحو كل درب وطريق يؤدي بكما إلى الجنان، حيث نلتقي من جديد،
وكيف لا تستطيعان وقد سبقني من العظماء ممن بنوا أمما وربوا أجيالا وها هي الحياة استمرت ومضت.
ما فعلت شيئا غير أني كتبت سطرا جديدا في دفتر الأمجاد، وبصمتُ بأشلائي على جدران الحرية بصمة لن يمحيها التاريخ، وصرختُ بدوي قنبلتي:
" لا للذل لا للهوان، لا للضعف ولا للظلم،
فلتحيا يا شعب أبيا قويا،
ولتبشرا يا أم الشهيد وأم الأسير، ها قد أتاكما من يعيد إليكما ابنيكما من جديد،
وابشر يا أقصانا الحبيب، لم أكن الأول ولست الأخير، فكلنا ماضون، وكلنا مشتاق".
والداي الغاليان، حين سطرتُ كلماتي هذه، كنت أجلس بجواركما، والآن ها أنا جالس بجوار الصالحين والصديقين، فما أطيب جيراني في الدنيا، وما أعظم جيراني في الآخرة!
سيغبطني كل الأوفياء الصادقين على ما كنت فيه، وعلى ما أنا عليه الآن.
كتبتُ هذه الكلمات وأنا أبكي شوقا للقائكما، وها أنا أبكي فرحا للقاء الأحبة ممن سبقوني.
فلتعلي الزغاريد يا أمي لابنك الشهيد،
وليعلو التكبير والتهليل بصوتك الرنان يا أبت،
فاليوم عرس ابنكما، واليوم يُزف للحور العين، وما كنت سأحظى بعرس أروع لو بقيت!
وإلى لقاء إن شاء الله...
ابنكم المشتاق